محمد محمد أبو موسى

6

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

للشافعي ، وتأمل كيف كانت تنفذ فطنته في اختصار شديد إلى المسافات الممتدة وراء المعاني الظاهرة ، وكيف كان يلتقط رقائق تذهلك حين يكشف وجهها ، ويضع اليد على العلاقة المتينة بين اللفظ وما استخرجه منه ، وكيف كان يعتبر وسائل متعددة ، منها ما يتصل بالسياق الخاص والسياق العام ، ومنها ما يقوم على ثقافات ومعارف خارج التركيب اللغوي ، وكلام الشافعي كله شاهد على منهج دقيق في تحليل النصوص وطريقة حوار الكلام ومجاذبته ، تأمل تفسيره لكلمة الحكمة في قوله تعالى : « وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ » « 2 » . يقول الشافعي : « سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة سنة رسول اللّه » . ثم رجح الشافعي ذلك بمرجحات منها أن الحكمة حين تأتى في الكتاب العزيز تكون مقترنة بالكتاب لا تقدم عليه ، وانما يكون التركيب « الكتاب والحكمة » وهذا يعنى أنها تتلو الكتاب دائما وهذا يجعلها أشبه بالسنة ، ثم إن هذا التركيب « الكتاب والحكمة » يأتي في القرآن مفعولا به للفعل « يعلّم » : « وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ » « 3 » . والرسول صلّى اللّه عليه وسلم انما علم الناس الكتاب والسنة ، ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأتي في ذكر الايمان مقترنا باسم اللّه سبحانه ، وهذا يرجح أن تكون الحكمة المقترنة بالكتاب هي السنة . وهكذا ترى هذه تأملات لغوية ، وملاحظة قرائن أسلوبية تقوم على مراجعة مواقع الكلمة في السياق القرآني ، واستقصاء ذلك واصطناعه في استخراج المعنى . وكان المفسرون والفقهاء شيوخ لغة وشعر ورواية ، وكان العلم باللغة والشعر أصل العلم كله في التفسير والفقه وأصول الدين ، وقد قال الأصمعي : قرأت شعر الشنفرى على محمد بن إدريس ، وقال : قرأت ديوان هذيل على شاب من شباب

--> ( 2 ) الأحزاب : 34 ( 3 ) الجمعة : 2